فخر الدين الرازي
76
تفسير الرازي
وكان يحذرهم بأس الله وعقابه ، فقال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون ، واظب على الصياح طول هذه الليلة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وحثهم على التفكر في أمر الرسول عليه السلام ، ليعلموا أنه إنما دعا للإنذار لا لما نسبه إليه الجهال . الثاني : أنه عليه السلام كان يغشاه حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغير وجهه ويصفر لونه ، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي ، فالجهال كانوا يقولون إنه جنون فالله تعالى بين في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون ، وذلك لأنه عليه السلام كان يدعوهم إلى الله ، ويقيم الدلائل القاطعة والبينات الباهرة ، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها ، وكان حسن الخلق ، طيب العشرة ، مرضي الطريقة نقي السيرة ، مواظباً على أعمال حسنة صار بسببها قدوة للعقلاء العالمين ، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون ، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير مبين ، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين ، وترغيب المؤمنين ، ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على تقرير دلائل التوحيد ، لا جرم ذكر عقيبه ما يدل على التوحيد . * ( أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) * . فقال : * ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) * واعلم أن دلائل ملكوت السماوات والأرض على وجود الصانع الحكيم القديم كثيرة ، وقد فصلناها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة . ثم قال : * ( وما خلق الله من شيء ) * والمقصود التنبيه على أن الدلائل على التوحيد غير مقصورة على السماوات والأرض . بل كل ذرة من ذرات عالم الأجسام والأرواح فهي برهان باهر ، ودليل قاهر على التوحيد ، ولنقرر هذا المعنى بمثال . فنقول : إن الضوء إذا وقع على كوة البيت ظهر الذرات والهباآت ، فلنفرض الكلام في ذرة واحدة من تلك الذرات فنقول : إنها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية ، وذلك لأنها مختصة بحيز معين من جملة الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا نهاية له ، وكل حيز من تلك الأحياز الغير المتناهية ، فرضنا وقوع تلك الذرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيز المعين من الممكنات والجائزات ، والممكن لا بد له من مخصص ومرجح وذلك المخصص إن كان جسماً عاد السؤال فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه ، وأيضاً فتلك